سبات الدببة وسبات السياسيين في المغرب:

بقلم يوسف خوادر عن قسم التحرير.

حين يحل الشتاء، تعرف الدببة تماما ما عليها ان تفعل. تبحث عن مكان آمن، تدخل جحورها، تخفف من نشاطها، وتوفر طاقتها الى ان ينتهي البرد ويعود الربيع. الدب لا يعقد مؤتمرا صحفيا قبل ان ينام، ولا يخرج في حملة انتخابية ليعد الغابة بالرخاء، ولا يرفع شعار التغيير، ولا يطلب من الحيوانات ان تمنحه ثقتها.

ينام فقط.

وهنا تبدأ المقارنة المؤلمة مع بعض سياسيينا.

فالسياسي المغربي، في بعض الحالات، لا يدخل سباته بسبب انخفاض درجات الحرارة، وانما بسبب انخفاض حرارة الشارع السياسي بعد انتهاء الانتخابات.

قبل الانتخابات، يستيقظ فجأة.

تفتح الابواب، تتحرك السيارات، تنتشر الصور، تكثر الزيارات، وتظهر الابتسامات التي كانت مفقودة طوال السنوات السابقة. يصبح المواطن فجأة “عزيزا”، و”مناضلا”، و”شريكا في التنمية”، وتصبح مشاكل الحي والدوار والمدينة قضايا مصيرية تستحق الاهتمام.

الطرقات التي لم يتذكرها السياسي طوال سنوات تصبح فجأة طريقا نحو المستقبل.

والحفر التي عاشت في الشوارع اكثر من بعض المسؤولين تصبح قضية عاجلة.

والمستشفى الذي ظل يعاني طويلا يكتشف السياسي فجأة انه يحتاج الى إصلاح.

والمدرسة التي تركت تواجه مصيرها تصبح في الخطاب الانتخابي “قاطرة بناء الوطن”.

والشاب العاطل الذي لم يسمع احد صوته يصبح “ثروة وطنية”.

كل شيء يستيقظ.

حتى الوعود.

ثم تأتي الانتخابات.

وتنتهي الانتخابات.

وهنا يحدث التحول العجيب.

تختفي الحرارة، وتعود البرودة، ويغلق السياسي باب جحره السياسي، ويبدأ موسم السبات.

لا يعود المواطن “عزيزا”، بل يصبح رقما في محضر انتخابي.

لا تعود المشاكل “أولوية”، بل تتحول الى ملفات تنتظر الدراسة.

ولا تعود الوعود برنامجا ملزما، بل تصبح ذكريات جميلة من موسم انتخابي مضى.

الدب، في الحقيقة، أكثر صدقا من السياسي النائم.

الدب لا يعدك بشيء.

لا يقول لك: سأغير حياتك.

لا يقول لك: سأحارب الفساد.

لا يقول لك: سأخفض الأسعار.

لا يقول لك: سأوفر الشغل للشباب.

ولا يقول لك: سأجعل المستشفى في خدمة المواطن.

الدب يعرف حدوده، ولذلك ينام.

أما بعض السياسيين، فمشكلتهم ليست أنهم ينامون، بل أنهم يستيقظون فقط عندما يحتاجون الى أصواتنا.

والأغرب من ذلك ان المواطن نفسه اعتاد على هذا الطقس.

نغضب منهم حين ينامون، ثم نوقظهم بأصواتنا، ثم نشتكي عندما ينامون من جديد.

وهكذا ندخل في دورة سياسية تشبه تماما دورة سبات الدببة، مع فارق بسيط: الدب يستيقظ بعد الشتاء، بينما بعض السياسيين لا يستيقظون الا قبل الانتخابات.

الدب يوفر طاقته حتى يبقى حيا.

أما السياسي فيوفر جهده حتى يبقى في موقعه.

الدب يخشى الجوع.

والسياسي يخشى فقدان الكرسي.

وبين الاثنين، هناك المواطن.

ذلك الكائن العجيب الذي يدفع الضرائب، ويواجه غلاء المعيشة، ويبحث عن طبيب، ويقف في طوابير الإدارة، ويرسل أبناءه الى مدرسة تعاني، ويبحث عن عمل، ثم يأتيه السياسي كل بضع سنوات بابتسامة عريضة ويقول له:

“نحن هنا من أجلك.”

ثم يختفي.

ربما لا نحتاج اليوم الى إيقاظ السياسيين من سباتهم، بقدر ما نحتاج الى إيقاظ الوعي السياسي لدى المواطن.

لان المشكلة ليست فقط في السياسي الذي ينام، وإنما في المواطن الذي يسمح له بأن ينام دون حساب.

الديمقراطية ليست ورقة نضعها في الصندوق مرة كل خمس سنوات ثم نعود الى بيوتنا.

الديمقراطية رقابة يومية.

والانتخابات ليست شيكا على بياض.

والصوت الانتخابي ليس هدية.

انه تفويض مؤقت، يمكن ان يمنح، ويمكن ان يسحب، ويمكن ان يصبح في النهاية رسالة واضحة لمن ظن ان الكرسي ملكية خاصة.

فليسبت الدببة كما تشاء.

ذلك شأنها.

أما السياسي، فلا حق له في سبات طويل على حساب شعب كامل.

واذا كان الدب يدخل جحره في الشتاء، فربما حان الوقت لان نسأل بعض سياسيينا:

متى ستخرجون من جحوركم السياسية؟

والسؤال الاهم:

هل سنستمر نحن في إيقاظهم كل مرة، ام سنتعلم اخيرا كيف نختار من لا ينام اصلا؟

Scroll to Top