هروب من الوطن….. أم هروب من المستقبل

بقلم ياسين طالع

الشباب، والهروب من واقع مرير يلقي بظلاله من فقر، ومعاناة، وحرمان، وإنكار للحقوق، وحكرة، وطيف واسع من الضغوط التي لا يعلم بمدى ثقلها إلا الله عز وجل…

غير أن الغريب والملفت في هذه الظاهرة، أن فعل الهجرة أو الرغبة في التواري لم يعد مقتصرا على أولئك الذين يفتقرون للإمكانيات ويطرقون أبواب البحث عن العيش الكريم، بل صار يراود حتى من يملكون العيش الرغد والوضعية الاجتماعية والمادية المريحة.

إنه إحساس غريب يتسلل للجميع دون استثناء، ينبع من تلك المقارنة الحارقة بين المجتمعات المتقدمة وتلك التي ما زالت تعاني أو تسعى للتقدم، مما يجعل هذه الظاهرة تتجاوز الفوارق المادية والإعتبارية لتسائل الجميع حول القيمة الإنسانية والكرامة…

إن الفكرة الأساسية التي يجب أن نتوقف عندها هي أن ردود الأفعال الصادمة أو الهاربة لا ينبغي أن تكون هي المقصد أو نهاية المطاف، بل يجب أن تحل محلها المبادرة الحقيقية التي تعالج جذور المشاكل، لا سيما الاجتماعية منها… المبادرة النابعة من اصحاب القرار…

فالمواطن يحتاج قبل كل شيء إلى أن يشعر بأنه يعيش بكرامة في وطنه، مرتاحا ماديا ونفسيا وعلى كافة المستويات.

يبدو أن التوسع العمراني اللامع وتشييد البنيات التحتية الضخمة والمرافق الحديثة، أو ما يمكن تسميته بالرخاء الاسمنتي، يظل جسدا بلا روح إذا لم يوازه استثمار حقيقي وعميق في العنصر البشري.

إن المعادلة المعقدة التي نعيشها اليوم تكمن في وجود تباين واضح بين هذا الرغد البنياني وبين بناء الإنسان الناضج والواعي والمتمكن من أدوات عصره… فالتقدم لا يقاس فقط بارتفاع المباني وتشييد المنشآت، بل بقدرة المجتمع على إعداد مواطن واعي ومربى ومكون بشكل يجعله شريكا فعالا في التنمية وليس مجرد شاهد عليها، خاصة وأن استمرار هذا الفجوة ينعكس سلبيا على رغبة الشباب في الاستقرار ويدفعهم للبحث عن أفق أرحب يجدون فيه تقدير مؤهلاتهم وطاقاتهم.

ولفك شفرة هذا المجهول وسط هذه المعادلة، يتوجب إيجاد توازن موضوعي بين الطموح المشروع للدولة في تحسين مؤشرات التقدم عبر تنظيم تظاهرات كبرى وتحديث البنيات، وبين التنمية البشرية الواقعية التي تركز على تثمين الرأسمال البشري والاهتمام به على كافة الأصعدة والمستويات.

إن الحل ليس بعيدا ولا يرتبط بضعف في الإرادة، بل يكمن في التزام جماعي يعرف فيه كل طرف حق قدره ومسؤوليته، بحيث يلائم المواطن سلوكه وشخصيته وممارسته اليومية مع هذا العالم المتقدم، وفي المقابل تتاح له فرصة التكوين والعيش الكريم الذي يجعله يرى مستقبله داخل وطنه لا خارجه، هذا التوافق بين رؤية الدولة والواقع المجتمعي هو الكفيل بجعل الاستثمار في الإنسان أولية لا تقل أهمية عن الاستثمار في الحجر.

وحقيقة الأمر التي لا تقبل الشك هي أن هذا الشعب يحمل في وجدانه حبا كبيرا وعميقا لوطنه، فما من أحد يهرب من الرخاء أو يترك أرضه رغبة في الرحيل بذاته، والدليل الأسطع على ذلك يظهر جليا في لحظات كروية أو استحقاقات وطنية، حيث نرى تدفقا هائلا من الوطنية وروح الانتماء العفوي واللاإرادي الذي ينطق بحب لا مشروط للمغرب.

إننا حين نطرح هذه التساؤلات، فإنما ينبع ذلك من غيرتنا الصادقة على دولة المغرب التي نحبها حتى النخاع، ومن رغبة جارفة في أن نراها تضاهي أكثر البلدان تقدما وازدهارا.

وإن فخ المقارنة المحبطة مع الآخر سرعان ما يتلاشى ويذوب حين نستحضر المشترك الإنساني الذي يعترف بالعيش الكريم، وبضرورة أنسنة المجتمع بكافة أطيافه، مواطنا كان أم مسؤولا على اعتبار أن المسؤول جزء لا يتجزأ من هذا النسيج والوطن الواحد.

ختاما إنني على يقين تام بأننا سنتجاوز هذه المرحلة العابرة بسلام، وأعتذر إن أثقلت بتفاصيل هذا المشكل، لكن التاريخ علمنا أن المغرب مر عبر عهوده بأزمات أشد قسوة واستطاع دوما أن يخرج منها منتصرا بفضل مقوماته كدولة أمة ضاربة في عمق التاريخ.

إننا قادرون تماما على تجاوز الصعاب وتفكيك أعتى المشاكل وإيجاد الحلول الكفيلة بتخطيها، وما هذه إلا سحابة صيف عابرة ستمر كما مرت غيرها، لتؤكد من جديد صلابة هذا الوطن وقدرة أبنائه على التحدي والصمود.

بقلم: ياسين طالع

تقبلوا مروري ولكم مني كل الود جميعا … تصبحون على واقع اجمل

Scroll to Top