أسامة بلغيتي | الدار البيضاء
لم يعد التعامل مع الحيوانات الضالة في المغرب شأناً متروكاً للأمزجة أو للتصرفات الفردية، بعدما دخل القانون رقم 19.25 المتعلق بحماية الحيوانات الضالة ورعايتها والوقاية من أخطارها حيز التنفيذ، ليضع لأول مرة إطاراً قانونياً واضحاً ينظم حماية هذه الحيوانات، ويحدد في المقابل المسؤوليات والعقوبات المترتبة عن مخالفة مقتضياته.
وبحسب النص المنشور في الجريدة الرسمية عدد 7533، فقد صدر الظهير الشريف رقم 1.26.55 بتاريخ 28 يوليوز 2026 بتنفيذ القانون رقم 19.25، فيما تنص المادة 55 على دخول القانون حيز التنفيذ ابتداءً من تاريخ نشره بالجريدة الرسمية، مع استثناء بعض المقتضيات التي تتطلب نصوصاً تنظيمية.
ولعل أكثر المقتضيات إثارة للانتباه تلك الواردة في المادة 36، التي لم تترك هامشاً للتأويل عندما يتعلق الأمر بالعنف المتعمد ضد الحيوانات الضالة.
فكل من تعمد قتل حيوان ضال أو تعذيبه أو إيذاءه بأي شكل من الأشكال أصبح مهدداً بالحبس من شهرين إلى ستة أشهر، وبغرامة مالية تتراوح بين 5 آلاف و20 ألف درهم، أو بإحدى هاتين العقوبتين فقط.
لكن المشرّع وضع في الوقت نفسه استثناءً واضحاً، إذ لا تطبق هذه العقوبات على عمليات القتل الرحيم التي يتم إنجازها وفق الشروط والأحكام المنصوص عليها في القانون.
المغزى هنا يتجاوز مجرد فرض العقوبة؛ فالقانون الجديد يحاول رسم حدود جديدة في العلاقة بين الإنسان والحيوان، بحيث لا تتحول ظاهرة الحيوانات الضالة إلى مبرر لممارسات عنيفة أو عشوائية، وفي الوقت نفسه يضع آليات قانونية للتعامل مع هذه الظاهرة باعتبارها قضية مرتبطة بالصحة والسلامة العامة ورعاية الحيوان.
القانون لم يكتفِ بالعقوبات المرتبطة بإيذاء الحيوانات، بل أحدث أيضاً منظومة لمراقبة مراكز الرعاية، وقاعدة بيانات خاصة بالحيوانات الضالة، كما منح الأعوان المؤهلين صلاحيات البحث عن المخالفات ومعاينتها، مع إمكانية حجز الحيوانات موضوع المخالفة.
واللافت أن العقوبات لا تتوقف عند المادة 36؛ فالقانون يعاقب كذلك من يعرقل عمل لجان المراقبة أو مراكز رعاية الحيوانات الضالة، كما يفرض غرامات على عدد من المخالفات المرتبطة بإنشاء وتدبير مراكز الرعاية وملكية الحيوانات والتعامل معها في الفضاءات العامة.
وهنا تطرح المرحلة المقبلة سؤالاً أكبر من مجرد “كم تبلغ العقوبة؟”، وهو: كيف سيتم تنزيل هذا القانون على أرض الواقع؟
فنجاح أي نص قانوني لا يقاس فقط بقوة العقوبات التي يتضمنها، وإنما بمدى قدرة المؤسسات المعنية على تطبيقه، وتوفير مراكز الرعاية، وتفعيل آليات المراقبة، وضمان احترام القانون بعيداً عن الانتقائية أو الفوضى.
لقد انتهى زمن التعامل مع ملف الحيوانات الضالة بمنطق الحلول السريعة وحدها. اليوم هناك قانون، وهناك مسؤوليات، وهناك عقوبات.
والرسالة واضحة: الاختلاف حول طريقة تدبير ظاهرة الحيوانات الضالة لا يمنح أي شخص الحق في تعذيبها أو قتلها خارج الإطار القانوني.
فهل ستنجح الجماعات والجهات المختصة في تحويل هذا النص من مجرد مقتضيات منشورة في الجريدة الرسمية إلى ممارسة حقيقية في الشارع المغربي؟
السؤال مفتوح… والتنزيل هو الاختبار الحقيقي.




