
بقلم ياسين طالع
إن الحديث عن مأسسة الإحسان العمومي في سياقنا الراهن ليس مجرد ترف فكري، بل هو ضرورة ملحة لإنقاذ كرامة المواطن من براثن الاستغلال المقيت الذي يمارسه بعض “تجار المآسي” ومحترفي الحملات الانتخابية.
إن المشهد الذي يتكرر مع كل استحقاق سياسي، حيث يتحول الفقر والبؤس إلى مادة دسمة للمزايدات وتوزيع الوعود المغلّفة بقطع من الخبز أو المساعدات العينية، هو وضع شاذ يضرب في عمق العقد الاجتماعي.
هذا التوظيف اللاأخلاقي لحاجة الناس لا ينتج نخبًا حقيقية، بل يفرز “كائنات انتخابية” تتقن العزف على أوتار الحرمان، مما يكرس ثقافة التبعية والاتكال بدل ثقافة الاستحقاق والمواطنة الفاعلة.
لذا، فإن الخطوة الأولى نحو القطيعة مع هذا العبث تكمن في سحب ورقة “الإحسان” من يد الأفراد والوجوه السياسية وإعادتها إلى حضن المؤسسات.
إن مأسسة العمل الخيري تعني تحويله من فعل مزاجي، موسمي، وشخصاني، إلى منظومة إدارية وقانونية شفافة تخضع لرقابة الدولة والمجتمع.
عندما تمر المساعدة عبر قنوات رسمية وسجلات رقمية دقيقة كـ “السجل الاجتماعي الموحد”، تنكسر تلك العلاقة العمودية بين “المحسن المرشح” و”المحتاج الناخب”، وتتحول العلاقة إلى حق مشروع للمواطن في رعاية دولته، بعيداً عن نظرات المنّ أو حسابات الصناديق.
أما فيما يخص “إعادة ترويض” محترفي الحملات الذين استمرأوا الركوب على أوجاع الفئات الهشة، فإن الأمر يتطلب ترسانة قانونية زجرية لا تحابي أحداً، تعتبر أن أي استغلال للظروف الاجتماعية لأغراض سياسية هو جريمة مكتملة الأركان ضد الديمقراطية.
إن ترويض هذه السلوكيات يبدأ بفرض عزل تام بين النشاط الجمعوي والعمل السياسي الميداني لفترات زمنية كافية، ومنع الرموز الحزبية من الظهور بمظهر “المنقذ” في لحظات الشدة الاجتماعية، ليكون الفيصل بين الجميع هو البرنامج التنموي القابل للقياس، لا حجم “القفة” أو كرم “الوليمة”.
وفي نهاية المطاف، فإن الحل الناجع الذي يخدم المواطن والوطن على حد سواء يمر عبر جسر “التمكين” لا “الإطعام”.
إن استبدال ثقافة الصدقة بمشاريع الاقتصاد التضامني، وتوجيه تدفقات الإحسان نحو التكوين المهني ودعم المقاولات الصغرى، هو الكفيل بتحويل الفئات الهشة من طوابير تنتظر المساعدات إلى سواعد تبني الاقتصاد الوطني. إننا نحتاج إلى بناء وطن يشعر فيه المواطن بأن كرامته فوق كل اعتبار، وأن صوته أمانة لا تُباع في سوق النخاسة السياسية، وبذلك ننتقل من “ديمقراطية الإحسان” الزائفة إلى “دولة الحق والقانون” الراسخة التي تحمي الضعيف قبل القوي.



