السحر والتصوف في المغرب… حين يتحول الطريق من تزكية النفس إلى صناعة الأسطورة

يوسف خوادر (قسم التحرير)

لا يمكن فهم ظاهرة السحر والشعوذة في المغرب دون العودة إلى التاريخ الديني والاجتماعي الذي عرفته البلاد منذ قيام الزوايا والطرق الصوفية. فقد نشأت الزوايا في الأصل باعتبارها مؤسسات للتربية والتعليم وتحفيظ القرآن وإيواء الفقراء والمسافرين، وكان كثير من شيوخها من أهل العلم والورع، ولم يكن مشروعهم قائماً على الغيب ولا على الأسرار، وإنما على تزكية النفس وتهذيب الأخلاق، امتثالاً لقوله تعالى: ﴿قد أفلح من زكاها﴾.

غير أن مسار التاريخ يكشف أن بعض الزوايا، خصوصاً في عصور الضعف العلمي والسياسي، بدأت تستقبل أفكاراً لم يعرفها الجيل الأول من المسلمين، وظهرت منظومة كاملة من المصطلحات مثل القطب والغوث والأوتاد والأبدال والنقباء والإذن والفتح والكشف والتصرف والمدد. ولم تعد الولاية تعني التقوى والعمل الصالح، بل أصبحت عند بعض الاتجاهات مرتبطة بامتلاك قوى خفية وسلطات روحية فوق العادة.

والقرآن الكريم، وهو المصدر الأول للعقيدة، لا يذكر شيئاً عن وجود قطب يدبر الكون، أو أوتاد يحفظ الله بهم الأرض، أو غوث يغيث الخلق من وراء الأسباب. بل يقرر أن التدبير كله لله وحده: ﴿ألا له الخلق والأمر﴾، ويقول: ﴿يدبر الأمر من السماء إلى الأرض﴾، ويقول: ﴿قل إن الأمر كله لله﴾. ومن هنا رأى عدد من علماء أهل السنة أن هذه المراتب، بصورتها المتداولة في بعض الكتب الصوفية، لا تستند إلى نص صحيح من القرآن أو السنة.

وقد خصص ابن تيمية فصولاً في مجموع الفتاوى لبيان أن تقسيم الأولياء إلى أقطاب وأوتاد وأغواث بالصورة الشائعة لا يقوم على دليل صحيح، وأن كثيراً مما يروى في ذلك إما ضعيف أو لا أصل له. ولم يكن اعتراضه على الولاية نفسها، فالولاية ثابتة بنص القرآن: ﴿ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون﴾، وإنما كان اعتراضه على تحويل الولاية إلى سلطة غيبية تمنح لصاحبها خصائص لم يثبتها الوحي.

كما أشار ابن خلدون في المقدمة إلى أن التصوف في مراحله الأولى كان قائماً على الزهد والعبادة، ثم دخلته في بعض مراحله عناصر فلسفية وإشراقية، وظهرت مصطلحات لم تكن معروفة عند السلف، وهو ما يدعو إلى التمييز بين التصوف الأخلاقي وبين التصورات الميتافيزيقية التي نشأت لاحقاً.

ومن أكثر المفاهيم إثارة للنقاش مسألة الإذن في الذكر. فالذكر في الإسلام عبادة عامة أمر الله بها جميع المؤمنين، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اذكروا الله ذكراً كثيراً﴾، ولم يجعل لذلك إذناً من شيخ أو طريقة. أما جعل صحة الذكر متوقفة على سلسلة خاصة أو على ترخيص من شخص بعينه، فهو تصور لا يجد له الباحث دليلاً صريحاً في القرآن ولا في السنة الصحيحة، وإن كانت بعض الطرق تعتبره وسيلة تنظيمية للتربية الروحية، لا حكماً شرعياً ملزماً.

ثم تأتي مفاهيم الكشف والفتح والتصرف، وهي من أكثر الأبواب التي قد تُستغل إذا أُخرجت عن حدودها. فقد يعبَّر بالكشف عند بعض المتصوفة عن صفاء البصيرة أو قوة الفراسة، بينما يذهب آخرون إلى معانٍ أبعد، كادعاء الاطلاع على المغيبات أو أحوال الناس. وهنا يضع القرآن قاعدة فاصلة: ﴿قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله﴾. ولذلك شدد علماء كثيرون على أن أي دعوى لمعرفة الغيب أو التحكم في الكون لا تثبت إلا بدليل من الوحي، وإلا فهي مردودة.

ومن الناحية الاجتماعية، استغل بعض المشعوذين هذه المفاهيم لاستقطاب الناس، فاختلطت الأوراد بالطلاسم، والرقية بالتمائم، والدعاء بالاستغاثة بغير الله، وأصبحت بعض الأحجبة تُباع على أنها مفاتيح للرزق أو الزواج أو الشفاء. وهنا يتحول الخطاب الديني إلى وسيلة للكسب والسيطرة، مع أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «اجتنبوا السبع الموبقات» وذكر منها السحر، وقال: «من أتى عرافاً أو كاهناً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد».

ولا يقتضي هذا النقد اتهام جميع الزوايا أو جميع المنتسبين إلى التصوف، فالتعميم يناقض الإنصاف والمنهج العلمي. فقد كان في تاريخ المغرب شيوخ صالحون وعلماء ومربون، وكان لبعض الزوايا دور في نشر العلم ومقاومة الاستعمار وخدمة المجتمع. وإنما المقصود هو الدعوة إلى إعادة كل المعتقدات والممارسات إلى ميزان القرآن والسنة، لأن العصمة ليست للأشخاص ولا للمؤسسات، وإنما للوحي.

إن النهضة الدينية الحقيقية لا تقوم على إلغاء التراث، ولا على تقديسه، وإنما على تمحيصه. فما وافق كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم فهو من الدين، وما خالفهما أو لم يقم عليه دليل صحيح فهو اجتهاد بشري يقبل المراجعة والنقد. ولذلك يبقى قول الله تعالى هو القاعدة الجامعة: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر﴾، فهي الآية التي تحفظ للأمة عقيدتها، وتمنع أن تتحول التربية الروحية إلى أساطير، أو تتحول الولاية إلى باب يدخل منه الدجل والشعوذة باسم الدين.

Scroll to Top