التوجيه في المغرب… حين تتحول فرحة البكالوريا إلى ماراثون من القلق والاستنزاف

يوسف خوادر
قسم التحرير

ما إن تُعلن نتائج البكالوريا في المغرب حتى تعيش آلاف الأسر لحظة فرح طال انتظارها، غير أن هذه الفرحة لا تدوم طويلاً، إذ سرعان ما تبدأ رحلة أخرى أكثر تعقيداً وإرهاقاً، رحلة البحث عن مقعد في مؤسسة للتعليم العالي. إنها مرحلة التوجيه، التي يفترض أن تكون بوابة نحو المستقبل، لكنها تحولت في نظر كثير من الأسر إلى سباق مرهق تحكمه كثرة المباريات، وضيق الوقت، وتشتت المعلومات، وتفاوت فرص الولوج.

فالطالب المغربي لا يكتفي بالحصول على شهادة البكالوريا، بل يجد نفسه مضطراً إلى خوض عشرات المباريات، وملء عشرات الاستمارات الإلكترونية، ومتابعة عشرات المواقع والمنصات، حيث تختلف شروط التسجيل وآجاله ووثائقه من مؤسسة إلى أخرى، بينما يبقى الوقت محدوداً، وأي خطأ بسيط أو تأخر قد يعني ضياع فرصة قد لا تتكرر. وتشير الأدلة والمنصات الخاصة بالتوجيه إلى تعدد مساطر التسجيل والولوج واختلافها بين المؤسسات ذات الولوج المفتوح وتلك التي تعتمد الانتقاء أو المباراة.

وإذا كان التلميذ يعيش ضغط الاختيار، فإن الأسرة المغربية تعيش ضغطاً مضاعفاً. فكثير من الآباء والأمهات يضطرون إلى التنقل بين المدن لمرافقة أبنائهم لاجتياز المباريات، من الدار البيضاء إلى الرباط، ومن مراكش إلى وجدة، ومن أكادير إلى فاس أو طنجة، في ظرف زمني لا يتجاوز بضعة أيام. مصاريف النقل والإقامة والأكل قد تثقل كاهل الأسر محدودة الدخل، خصوصاً إذا تزامنت مباريات عدة مؤسسات في الفترة نفسها.

ويزداد الأمر تعقيداً عندما تتزامن مواعيد مباريات مؤسسات مختلفة، فيجد الطالب نفسه مجبراً على التضحية بإحداها، ليس لأنه لا يستحقها، بل لأن النظام لم يراعِ إمكانية إجراء اختبارات في أيام متتالية أو في مدينتين متباعدتين. وهنا تصبح فرص النجاح مرتبطة أحياناً بالقدرة المادية للأسرة أكثر من ارتباطها بالكفاءة العلمية.

ومن أكثر النقاط التي تثير النقاش كل سنة، نظام الانتقاء الأولي. فقبل الوصول إلى المباراة، يتم استبعاد آلاف المترشحين اعتماداً على معدلات أو صيغ احتساب تختلف من مؤسسة إلى أخرى، في حين لا يفهم كثير من التلاميذ وأولياء أمورهم بدقة كيف تتم عملية الانتقاء، ولماذا يُقبل مترشح ويُرفض آخر، رغم تقارب النتائج. ورغم أن لكل مؤسسة معاييرها القانونية والتنظيمية، فإن محدودية التواصل وغياب الشرح المبسط يخلقان شعوراً بعدم الوضوح لدى عدد من الأسر.

كما يواجه التلاميذ مشكلة أخرى لا تقل أهمية، وهي غياب التوجيه الحقيقي الذي يبقى صوريا أو كما نقول في اللغة العامية” فوق الشبعة” عند الوزارة المعنية. فالكثير منهم يصل إلى نهاية السنة الثانية بكالوريا دون أن تكون لديه رؤية واضحة حول التخصصات، أو آفاقها المهنية، أو شروط الولوج إليها. وغالباً ما تُبنى الاختيارات على ضغط الأسرة أو سمعة بعض المهن أو المعدل الدراسي، بدل أن تقوم على الميول والكفاءات وحاجيات سوق الشغل.

وتزداد الفوارق بين أبناء المدن الكبرى وأبناء المناطق القروية أو المدن الصغيرة، حيث يجد هؤلاء أنفسهم أمام نقص في المعلومة، وبعد جغرافي عن المؤسسات، وضعف في خدمات الإرشاد، مما يجعل مبدأ تكافؤ الفرص موضع تساؤل.

كما يطرح مضمون عدد من المباريات بدوره علامات استفهام لدى التلاميذ وأسرهم، خاصة وأن أغلبها يُجرى في شكل اختبارات متعددة الاختيارات (QCM). فرغم أن هذا النمط من الامتحانات يهدف إلى تسهيل التصحيح وضمان السرعة والموضوعية، فإن كثيراً من المترشحين يتساءلون عن الغاية من بعض الأسئلة التي تتضمنها هذه الاختبارات، إذ تبدو في أحيان كثيرة بعيدة عن التخصص الذي يتقدمون إليه، أو عن المعارف والمواد التي درسوها خلال سنوات التعليم الثانوي وسلك البكالوريا. ويجد الطالب نفسه أمام أسئلة في الثقافة العامة أو المنطق أو مجالات أخرى لا يعلم مسبقاً مدى ارتباطها بالتكوين الذي يرغب في ولوجه، مما يزيد من شعوره بالحيرة ويغذي الانطباع بأن النجاح قد يرتبط أحياناً بالإلمام بمعلومات متفرقة أكثر من ارتباطه بالكفاءات العلمية التي اكتسبها. ورغم أن بعض المؤسسات تعتمد هذه الأسئلة لقياس قدرات تحليلية أو مهارات عامة، فإن غياب توضيح مسبق لفلسفة المباراة ومعايير إعدادها يترك المجال واسعاً للتساؤلات ويزيد من إحساس الأسر بعدم وضوح منظومة الانتقاء.

ولا تقف معاناة الأسر عند حدود النجاح في المباراة، بل تبدأ مرحلة جديدة تتمثل في البحث عن السكن، وتأمين مصاريف الإقامة، والتنقل، والتسجيل، خاصة عندما يضطر الطالب إلى متابعة دراسته بعيداً عن أسرته، وهو تحدٍ اجتماعي ومالي تعيشه آلاف العائلات المغربية كل سنة.

إن إصلاح منظومة التوجيه لم يعد ترفاً، بل أصبح ضرورة وطنية. فالمطلوب اليوم هو إنشاء منصة وطنية موحدة تجمع جميع مباريات مؤسسات التعليم العالي، مع توحيد آجال التسجيل والإعلان عن النتائج قدر الإمكان، وتنسيق مواعيد المباريات حتى لا تتقاطع، وتعزيز مراكز التوجيه داخل الثانويات، ونشر معايير الانتقاء بشفافية، مع تمكين كل مترشح من معرفة أسباب عدم قبوله عند الاقتضاء. كما أن رقمنة المساطر بشكل متكامل، وربطها بقاعدة بيانات موحدة، من شأنه أن يخفف العبء الإداري والمالي عن الأسر.

إن البكالوريا يجب أن تكون بداية طريق نحو تحقيق الطموح، لا بداية رحلة شاقة من القلق والتنقل والاستنزاف. فالمجتمع الذي يطالب شبابه بالاجتهاد والتميز، مطالب في المقابل بأن يوفر لهم منظومة توجيه عادلة، واضحة، وشفافة، تجعل الكفاءة وحدها معيار النجاح، وتمنح جميع أبناء الوطن، أينما كانوا، فرصة متساوية لبناء مستقبلهم.

Scroll to Top